ابن أبي الحديد
38
شرح نهج البلاغة
فاغتاله فقتله ، فترك أصحابه متفرقين مختلفين ، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم ، فأقبلوا إلي حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم وحسن عدتكم ، فقد أصبتم بحمد الله الثأر ، وبلغتم الامل ، وأهلك الله أهل البغي والعدوان ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ( 1 ) . قال فاجتمعت العساكر إلى معاوية ، فسار بها قاصدا إلى العراق . وبلغ الحسن خبره ومسيره نحوه ، وأنه قد بلغ جسر منبج ، فتحرك عند ذلك ، وبعث حجر بن عدي فأمر العمال والناس بالتهيؤ للمسير ، ونادى المنادي : الصلاة جامعة ! فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون . وقال الحسن : إذا رضيت جماعة الناس فأعلمني ، وجاءه سعيد بن قيس الهمداني ، فقال له : أخرج ، فخرج الحسن عليه السلام ، وصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإن الله كتب الجهاد على خلقه ، وسماه كرها ( 2 ) ، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين : اصبروا إن الله مع الصابرين ، فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون . بلغني أن معاوية بلغه إنا كنا أزمعنا على المسير إليه ، فتحرك لذلك ، اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ، ونرى وتروا . قال : وإنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس له ، قال : فسكتوا فما تكلم منهم أحد ، ولا أجابه بحرف . فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قام فقال : أنا ابن حاتم ! سبحان الله ! ما أقبح هذا المقام ! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم ! أين خطباء مضر [ أين المسلمون ؟ أين
--> ( 1 ) مقاتل الطالبيين 59 ، 60 . ( 2 ) هو من قوله تعالى : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) .